المجمع العالمي لأهل البيت ( ع ) - لجنة التأليف
226
أعلام الهداية
وإنّما قدّمنا هذا الشّرح والبيان دليلا على ما أردنا وقوّة لما نحن مبيّنوه من أمر الجبر والتّفويض والمنزلة بين المنزلتين وباللّه العون والقوّة وعليه نتوكّل في جميع أمورنا فإنّا نبدأ من ذلك بقول الصّادق ( عليه السّلام ) : « لا جبر ولا تفويض ولكن منزلة بين المنزلتين وهي صحّة الخلقة وتخلية السّرب « 1 » والمهلة في الوقت والزّاد مثل الرّاحلة والسّبب المهيّج للفاعل على فعله » ، فهذه خمسة أشياء جمع به الصّادق ( عليه السّلام ) جوامع الفضل ، فإذا نقص العبد منها خلّة كان العمل عنه مطروحا بحسبه ، فأخبر الصّادق ( عليه السّلام ) بأصل ما يجب على النّاس من طلب معرفته ونطق الكتاب بتصديقه فشهد بذلك محكمات آيات رسوله ، لأنّ الرّسول ( صلّى اللّه عليه واله ) وآله ( عليهم السّلام ) لا يعدون شيئا من قوله وأقاويلهم حدود القرآن ، فإذا وردت حقائق الأخبار والتمست شواهدها من التّنزيل فوجد لها موافقا وعليها دليلا كان الاقتداء بها فرضا لا يتعدّاه إلّا أهل العناد كما ذكرنا في أوّل الكتاب ولمّا التمسنا تحقيق ما قاله الصّادق ( عليه السّلام ) من المنزلة بين المنزلتين وإنكاره الجبر والتفويض وجدنا الكتاب قد شهد له وصدّق مقالته في هذا . وخبر عنه أيضا موافق لهذا ؛ أنّ الصّادق ( عليه السّلام ) سئل أهل أجبر اللّه العباد على المعاصي ؟ فقال الصّادق ( عليه السّلام ) : هو أعدل من ذلك . فقيل له : فهل فوّض إليهم ؟ فقال ( عليه السّلام ) : هو أعزّ وأقهر لهم من ذلك . وروي عنه أنّه قال : النّاس في القدر على ثلاثة أوجه : رجل يزعم أنّ الأمر مفوّض إليه فقد وهّن اللّه في سلطانه فهو هالك . ورجل يزعم أنّ اللّه جلّ وعزّ أجبر العباد على المعاصي وكلّفهم ما لا يطيقون فقد ظلّم اللّه في حكمه فهو هالك . ورجل يزعم أنّ اللّه كلّف العباد ما يطيقون ولم يكلّفهم ما لا يطيقون ، فإذا أحسن حمد اللّه وإذا أساء استغفر اللّه فهذا مسلم بالغ ، فأخبر ( عليه السّلام ) أنّ من تقلّد الجبر والتفويض ودان بهما فهو على خلاف الحقّ . فقد شرحت الجبر الّذي من دان به يلزمه الخطأ ، وأنّ الّذي يتقلّد التّفويض يلزمه الباطل ، فصارت المنزلة بين المنزلتين بينهما « 2 » .
--> ( 1 ) السرب - بالفتح - : الطريق والصدر - وبالكسر - أيضا : الطريق والقلب . - وبالتحريك - الماء السائل . ( 2 ) راجع تمام الرسالة في تحف العقول والاحتجاج ، وبحار الأنوار : 50 / 68 .